محمد بن زكريا الرازي
21
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
" إن طول الاعتياد للشئ يدعو إلى الإلف له والاستنكار لما خالفه ، ولولا ذلك لم يكن ليذهب مثل هذا الشئ القريب على جالينوس . ولكن من أجل أنه كان منذ صباه منغمسا في آراء أصحاب التعاليم ، وكان والده منهم ، يميل به الهوى إلى هذه الناحية فاستنكر ما ليس بمستنكر " « 1 » . ويقول الرازي أيضا : " ثم إن جالينوس أخذ في تفسير أسماء يستعملها المهندسون في كلامهم في المناظر بتطويل واستلذاذ منه لذلك ؛ فمرّ في مرارة أمرّ من الصبر . . . وظهر ما قلنا بديا من ميله إلى رأى المهندسين وتقصيره عن رأى الطبيعيين " « 2 » . ذلك أن " صناعة الهندسة قوامها تصور الأشياء غير المرئية " « 3 » . وفي وعيه بالفرق بين علم الطبيعة " الفيزيقا " وبين الطب يوضح الرازي بجلاء أنه " ليس كل قانون طبيعي يصح تعميمه في علم الطب " « 4 » . ولما كان الطب علما عمليا في أساسه فإن الرازي يؤكد أنه " ينبغي للمعنىّ بأمر الطب أن يجمع رجلين : أحدهما فاضل في الفن العلمي من الطب ، والآخر كثير الدربة والتجربة ويصدر عن اجتماعهما في أكثر الأمر ؛ فإن اختلفا في شئ . فليعرض ما اختلفا فيه على كثير من أصحاب التجارب ، فإن أجمعوا جميعا على مخالفة صاحب النظر قبل منهم ، فإن الشكوك المغلطة تقع على الأكثر في الفن العلمي النظري أكثر منه في
--> ( 1 ) الرازي : " الشكوك " ، ص 4 - ب . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 8 . يراجع ما قاله جابر بن حيان في كتابه " الأحجار على رأى باليناس " : " وتأخذ من الكلام وعلم المنطق والحساب والهندسة قليلا بحسب ما يسهل عليك تصور المسائل " ، نقلا عن : ( Kraus , P . " Jabir Ibn Hayyan . . " , V . II , P . 178 n . 3 ) . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 15 - ب . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 18 .